محمد سعيد رمضان البوطي

326

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

أرقاءكم أرقاءكم . . أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون ، وإن جاؤوا بذنب لا تريدون أن تغفروه ، فبيعوا عباد اللّه ولا تعذبوهم « 138 » . أيها الناس ، اسمعوا قولي واعقلوه ، تعلمنّ أن كلّ مسلم أخ للمسلم ، وأن المسلمين إخوة ، فلا يحلّ لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه ، فلا تظلمنّ أنفسكم ، اللهم هل بلغت ؟ وستلقون ربكم فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض ، ألا ليبلّغ الشاهد الغائب ، فلعلّ بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه ، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت . فقال بأصبعه السبابة ، يرفعها إلى السماء ، وينكتها إلى الناس : اللهم اشهد ( ثلاث مرات ) » « 139 » . ثم لم يزل النبي صلّى اللّه عليه وسلم في عرفات حتى غربت الشمس ، وحينئذ دفع بمن معه إلى المزدلفة ، وهو يشير بيده اليمنى قائلا : « أيها الناس ، السكينة ، السكينة » ، فصلى في المزدلفة المغرب والعشاء جمع تأخير ، وبات تلك الليلة في المزدلفة ثم دفع قبل أن تطلع الشمس إلى منى فرمى جمرة العقبة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها ثم انصرف إلى المنحر ، فنحر ثلاثا وستين بدنة ثم أعطى عليا فنحر ما غبر ( أي تتمة المئة ) . ثم ركب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأفاض إلى البيت ، فصلى بمكة الظهر ، وأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال : « انزعوا بني عبد المطلب ، فلو لا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم » ، فناولوه دلوا فشرب منه « 140 » . ثم قفل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عائدا إلى المدينة . العبر والعظات : أولا - عدد حجات الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وزمن مشروعية الحج : اختلف العلماء : هل حجّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم غير هذه الحجة في الإسلام ؟ فقد روى الترمذي وابن ماجة أنه صلّى اللّه عليه وسلم حج ثلاث حجج قبل هجرته إلى المدينة . قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري : وهو مبنيّ على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج . فإنهم قدموا أولا فتواعدوا ، ثم قدموا ثانيا فبايعوا البيعة الأولى ، ثم قدموا ثالثا فبايعوا البيعة الثانية « 141 » . ومنهم من روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر . وأيّا ما كان

--> ( 138 ) هاتان الفقرتان جاءتا في رواية ابن سعد في الطبقات . ( 139 ) نقلنا نص هذه الخطبة من صحيح مسلم ، وأضفنا إليها زيادة جاءت في البخاري هي : « وستلقون ربكم . . » إلى « من سمعه » كما أضفنا إليها زيادات بسيطة أخرى وردت في ابن إسحاق وطبقات ابن سعد وغيرهما . ( 140 ) من حديث جابر في صفة حجته صلّى اللّه عليه وسلم ، رواه مسلم وغيره . ( 141 ) انظر فتح الباري : 8 / 74